الحاج محمود: ابناء الشعب الكوردستاني سيواصلون النضال والكفاح وستنقلب المعادلة السياسية في المنطقةكمال كركوكي: الشعب الكوردستاني لن يقبل بالعبوديةمسؤول العلاقات الخارجية في حكومة اقليم كوردستان: ليس لدينا نية لمحاربة الجيش الاتحاديممثل حكومة اقليم كوردستان في بريطانيا: هل هكذا يُكافأ الكورد على قتالهم داعش الارهابي؟حكومة إقليم كوردستان ترحب ببيان الخارجية الأمريكيةرئيس اقليم كوردستان يصدر بيانا إلى الرأي العام العالميالرئيس بارزاني: لـــــن يستطيعــــوا اعتقال مناضل بقامــــة وحجـــــم الاخ كوسرت ولن يستطيعوا الاقتراب من باقي المناضلين ولا يحق لهم ذلكرئيس اقليم كوردستان ووزيرة دفاع المانيا يناقشان هاتفيا آخر المستجدات السياسية في الاقليم والعراق الاتحاديتقرير .. الداخلية الأفغانية تعلن سقوط عشرات القتلى والجرحى في هجومين في العاصمةسويسرا تشدد عقوباتها على كوريا الشماليةوزيرة أمريكية تكشف عما تبيته منظمات إرهابية للولايات المتحدةموسكو قلقة من تعزيز تواجد قوات الناتو في منطقة بحر البلطيقباكستان .. تفجير شاحنةالبرلمان الفرنسي يقر قانون مكافحة الإرهاب المثير للجدلاوكرانيا .. حادث مروريتوغو .. قتلى وجرحىإيطاليا .. شبكة تهريبترامب يلاحق كومي بتغريداته الاتهاميةالرئيس الصيني: لن نسمح بسلوكإقليم كوردستان بين حكمة الرئيس بارزاني وخطط قاسم سليماني


شيخ النقاد العراقيين وحارس المشهد الثقافي .. سـيرة النـاقد والاسـتاذ الدكتور علي جـواد الطاهـر الحلي  
عدد القراءات: 4929        المؤلف: توفيق التميمي        تاريخ النشر: الأربعاء 19-04-2017  
اعداد وتحرير : توفيق التميمي  /  القســـــم الثاني
موسوعي في مشروع ثقافي
منذ خمسينيات القرن الماضي شرع د علي جواد الطاهر بتأسيس مشروعه الثقافي والادبي ، ترجمة، تأليفا، تنظيرا، وتطبيقا ، حتى بلغ شأنا رفيعا في الأدب العراقي ولقب شيخ النقاد، نافت كتبه على الأربعين كتابا، وهو في ذلك واحد من كبار المؤلفين المبدعين في العالم العربي شأنه شأن عميد الادب العربي طه حسين وعباس محمود العقاد وإبراهيم عبد القادر المازني، ليس فقط من حيث العدد بل الجودة والتنوع في التراث والمعاصرة، في التحقيق والتأليف، في الترجمة، في النقد ألتنظيري والنقد التطبيقي..




أهم ماكان يسعى إليه الناقد الطاهر هو الإبداع الأصيل، والموقف الإنساني. وإذا كان الطاهر قد قرأ لنقاد عرب وأجانب إلا انه كان يسم مقالته الأدبية ونقده المقالي بميسمه، وقد حقق في كل كتاباته الكثير، سواء في طريقة الأداء ،ام في إدارة الفكرة، ام في براعة الصياغة وطراوة اللغة ..
تميز عن بقية مجاييله من النقاد والادباء بأسلوبه الفريد  في كتابة المقالات من حيث طراوة اسلوبها وجمال لغتها التي تمازج فيها بلاغة القديم بجمال المعاصرة وقدرته على التكثيف والاختزال ، فضلا عن قيمة الموضوعات التي يرصدها ويلتقطها والتي جمعت في سلسلة من مؤلفاته الرصينة لاحقا .
نموذجان  من مقالاته
و يظهر فيها ملامح اسلوبه الخاص والمميز  والتي اشرنا اليها انفا :
الحلقة المفقودة في ثقافتنا المعاصرة
ما الحلقة ؟ وما المفقودة ؟ وما الثقافة ؟ الأسئلة كثيرة والاجوبة قليلة ، ولاجدوى في هذه ولا فحوى لذلك وإنما هو كلام يمتد به كلام وصحافة تريد ان تكون صحافة . والشكوى معلومة والعلة مفهومة . وكان ابو تمام يقول :
هو البحر من ايَّ النواحي اتيتَه
فلجته المعروف والجود ساحله !
ونحن نقول العكس إزاء الثقافة مع ابي الطيب المتنبي :
ليس من مات واستراح بميت ٍ
إنما الميت ميت الاحياء
ومع شاعر مجهول غير معلوم :
لو كان سهما ً واحدا ً لاتقيتُه
ولكنه سهم وثان وثالث
ولكن التشاؤم لايصنع أملا او السلب لايصير إيجابا ً . ويبقى الخلاف في عدد الحلقات ، أهي واحدة ام عشر ام عشر في واحدة ؟ ومن حق المرء ان يسأل لأنه لو حصر الامر بضقلة واحدة لضاقت هذه الحلقة  وانفصمت عروتها الوثقى ، ومضى - بعد ذلك - الى الشد المتين من هذه الحلقة لتأتي مظفورة في عدة حلقات متماسكة متكاملة يشد بعضها بعضا كالبنيان المرصوص والممكن غير ممكن (( وياأيها الذين آمنوا لاتسألوا عن أشياء أن تبد لكم تسؤكم )) وإلا فمن اين يبدأ من يريد ان يبدأ ؟أمن التعليم ؟ ولم يعد تدهوره سرا ً . وان وقع منه شيء حسن فان الجد في الاستمرار غير حاصل .
أمن التراث ؟ ونقصد الى النهضة بالموروث اللغوي والادبي والفكري ... تحقيقا ً علميا ً مخلصا ً وتقديما ً ميسرا ً ، وقد نشرنا جيدا ً هنا وهناك ، ولكن لم التوقف والتعثر ولم صارت الدعوة اليه لعقا ً على الألسن ؟ ولم دخل الكتاب المحقق في باب النادر ونفذ الى الطريق المسدود ؟ اين الدواوين - مثلا ً -  في السوق ليقرأها الناس والشباب والشعراء ؟ اين ديوان المتنبي - مثلا ً ؟
أمن الترجمة ؟ وأشهد ان لجنة التاليف والترجمة والنشر قد ترجمت ودار اليقظة ترجمت ، ودار الكتاب المصري ... ومشروع الالف كتاب ولكن جرى ذلك متقطعا ثم انقطع وتبحث عن الذي صدر امس فلا تجده ، وتبحث عن الذي يصدر فلا تراه مع ما داخله من غش وتجارة لن تبور .
أمن التأليف ؟ ولقد ألفنا ولا شك . ولكن اين هي المؤلفات في السوق ؟ ثم لم لم يسر العمل صعدا من حسن الى احسن فكان ان كثر الغثاء وقامت سوق السرقة وسادت عقول عفنة وصار المبدع المبدع هو الجماعة في التوليف ، وعلى جسر من ((التوليف))  تعتبر شهادات الماجستير والدكتوراه .
تريد ان تبحث عن حلقة الفكر ؟ عن الفلسفة ؟ عن الاصالة ؟ تريد فكرا ً ناضجا ً وشخصية رصينة وكيانا ً في السياق العالمي . تريد والأحسن الآتريد  لأنك ستتعب على غير طائل ...
الحلقة المفقودة - اذن- هي حلقة مظفورة من حلقات جوهرها فقدان الجد والاخلاص والمثابرة والتجرد والتواضع ، واساسها همجية العالم المتحضر يريد لنا التخلف الدائم لنبقى سلعة أبدية بيديه ، العالم المتحضر وهو سبب في البلاء ، ونحن الذين لم نستيقظ بسبب آخر . الحلقة المفقودة هي نحن واذا وجدنا أنفسنا وجدناها ، وهي مفقودة في الثقافة كما هي مفقودة في غيرها. وحذارِ حذارِ من حضارة المتحضرين ثم حذارِ حذارِ من اليأس ومازال وقت للبدء ... ان التشاؤم لايصنع املا ، و السلب لايصير ايجابا وفي العالم العربي جامعات وتحقيق وتاليف وترجمة وفكر وفن وقصة وتمثيل ... ومجلات واذا كان شيء من هذا وهذا صحيح فالذي يبقى يشير في الحلقة المفقودة الى جامعة عربية ترعى الثقافة كما يجب ، وعن تنظيم منهجي ، وليس ذاك بصعب اذا ابعدنا عن طريقنا العثرات التي يزرعها السادة المتحضرون من اساطير اوربا وامريكا  .
ان في الاقطار العربية نشاطاً ثقافياً ، ولوعملت هذه الاقطار جادة على لقاءات ودية يجتمع فيها ممثلون حقيقيون عن اقطارهم فيتدارسون الحال وينظرون في التكامل ويميزون مايبقى مما لايبقى . لو تهيأت هذه اللقاءات الجادة ... لوقوفنا على الحلقة المفقودة او على وجه مهم من وجوهها وهو المكتبة .
وعلى هذا ، وفي خلاصة مايمكن قوله جوابا عن السؤال الوجيه ، تكون الحلقة المفقودة هي المكتبة - وطبيعي ان يكون المقصود من المكتبة المطلوبة واضحا ، وان تكون المكتبة مكتبة فعلا ، فهل ؟ وهل تعود ايام سوق السراي ؟ هل تعود الاربعينيات في الثمانينيات ؟
الا ليت الشباب يعود يوما
لاخبره بما صنع المشيب !
ليت وهل ينفع شيئا ليت
ليت شبابا بوع فاشتريت!
مقالة اخرى
في جوِّنا الأدبي ... ماهو غير أدبي
كان يقال -  ويتردد - السوق: ((عداوة صنف)) و ((قصاب مايحب قصاب)) . وماعدنا نسمع هذا الذي كان يقال ويتردد . وهذه تحسبه تذكر مهما تكن اسبابها  .
وفي تاريخنا الادبي امثلة من عداوة الصنف . ولا أذكر جريرا ً والفرزدق ، لأنهما حالة خاصة جدا ً، والنقائض سياسة أكثر منها عداوة بين شعراء . وجاء رثاء جرير للفرزدق من أصدق المشاعر . ولكن للجاحظ ((رسالة)) يقول فيها : (( والحسد وإن كان موكلا بالأدنى فالأدنى فانه لم يَعْرَ منه الأبعد فالأبعد (...) وهو في أهل العلم أكثر ، وعليهم أغلب ، وبهم أشد لصوقا منه بغيرهم من الملوك والسوقة . وكأن من ناله التقصير في صناعة العلم عن غايته القصوى ، قد استشعر حسد كل مايرد اليه من طريف أدب أو أنيق كلام أو بديع معنى ...)) وعزا الجاحظ ذلك الحسد الى ضعف النفس وخساستها والى أن الحاسد يرى انه لاينال رياسة في صناعة إلا بالطعن على  من حققوا النجاح بقدراتهم وجودة أدبهم ... ثم يأتي المثل الاكبر والاسطع بما لقي المتنبي حيثما حل وارتحل ، ولاتسل عما لقي في بلاط حبيبة المعمم سيف الدولة ، وما فعله المهلبي ونشط له الصاحب بن عباد !! ولابد من ان يكون في العالم شيء مما كان فينا ، يؤيد تلك الألفاظ والمصطلحات والوقائع والحِكَم ... وجاء العصر الحديث ، وكان بين الزهاوي والرصافي ماكان ... وتقدمنا ، وبدا علينا نضج ورقي وترفع وحضارة وما يشبه الإلغاء لكلمة ((حسد)) والمشتق من ((أفعالها)) . وكتب لي أن أشهد الأربعينيات والخمسينيات فرأيت المجتمع الأدبي - ولاسيما إذا أبعدت عنه عوامل سياسية ودوافع خارجية - أقل تحاسدا ً ورأيت من ((الأعداء)) من يشهد للاعداء بالشاعرية والنبوغ على مابين الطرفين من تناحر .
قال : ويُكتبُ لي ان ابقى قريبا ً من القافلة ، والحظ أوائل فساد الجو على أساس من حقد شخصي، وإنكار للنبوغ ، وتشبث بالصغائر ، وتصور لعيوب فسْقَطة من العائب . ولاأقول : الناقد ، لأن العائبين - ظلما وأفتياتا وحسداً وأقتناصا ً لفرصة الإزاحة والحلول محل ...كثيرون ، فيهم الناقد والشاعر والقاص والمسرحي والمقالي ... يسقطون على من يطلع مبدعا ً...ما في نفوسهم إسقاطا رخيصا ً مفضوحا ً يلفِّعونه بمظهر مغر ٍ من التمثيل وبمدعى مزوّق من الاخلاص فهم ((والله وبالله وتالله لايقولون إلا الحق ولايبغون إلا المصلحة العامة ولايريدون إلا خدمة ذلك المبدع )) المسكين الذي سهلت لهم ظروف ُ نهشة !
والاسقاطات النفسية ، المرضية كثيرة ، ولاتَعْدَم أحيانا ً أن تأخذ مظهرا ً خدّاعا ً يلبس صاحبه    ( المريض ) لبوس المادح ، المحب ، المعجب ، وما هو كذلك ، ولكن يخضع لخشية معينة ويطمع بمديح مقابل . والويل الويل إذا حلـّق قاص في قصة وروائي في رواية ، وتهيأ لذلك المحلق ، شاعرا ً كان أم قاصا ً أم كاتب مسرحية ام ناقدا ً من يحفظ له حقه في التحليق شارحا ً عناصر القوة ، معجبا ً بمادة الجديد ، مثنيا ً على البناء الرائع ... يأتي الويل مصحوبا ً بالثبور بعد هذا الثناء المخلص في الوقت المناسب ، فيمضي الاخرون وفيهم مبدعون ، ونقاد ، وصحفيون ... يختلقون العيوب اختلاقا ً، ويتشبثون بما يحسبونه موضع تشبث لإقدامهم .
وهذا عيب واحد من عيوب كثيرة لاتكاد تحصى منها إسناد العمل الرديء بكل سبب ، ومنها الفخر الـَمَرضي الزائف - ولا أقول النرجسي ، لأن ((نارسيس)) كان جميلا ً فعلا ً، وادعاء الاستاذية ، وتزبب الحصرم ، وفخر المعزة بالية الخروف ، وانتساب البغل الى خاله الحصان ، وتقدم فاسد الذوق الى الحكم والتقدير ، وتصدر القاصر في المكان الذي هو لغيره ، و ((الخربطة))  ... والجشع من أجل عشرة دنانير أو خمسة عشر دينارا تنجلي عن ثناء على كتاب لم يقرأه  ً ...الأمراض ليست قليلة  - واين الصحة؟ - تأتي الصحة بعد تشخيص المرض ، واعتراف المريض بمرضه... وهو مايمكن ان نكون بصدده ... ثم ان هناك صحةً خارج المرض ترد في بحث لما هو أدبي في جونا الأدبي . ولكن بحثا ُ مثل هذا مفروغ منه . الرحيل الابدي في التاسع من تشرين أول من العام السادس ضمن العقد الأخير مـن القرن العشرين كان موعداً لرحيل الدكتور علي جواد الطاهر ، رحمه الله ، لينتقل إلى جوار ربه ، جسداً طاهرا ، وقلباً نقيا ،ً وروحاً مؤمنة صافية ، بعد ماعانى ماعانى من آفة المرض رافضاً اللجوء إلى آخرين لمعونته في تجاوز المحنة  ، ولانتشاله من حقد المرض الخبيث  ، قدم خلال خمسة عقود مـن العطاء الفكري ، والجهـد التدريسي ، والتحقيـق العلمي ، والنقــد الأدبي ، بأسلوب مميز ، كافية لأن تخلق آراء واضحة في شخصية الطاهر، وفي نتاجه الخالد ، لم يترك لاولاده وطلابه اموالا او عقارات وانما ترك لهم سيرة معطرة بالانجاز وتاريخاً حافلاً بالمجد وصفحة ناصعة من البياض تكفي مصدر فخر لاحفاده ومن سياتي بعدهم وكانت  اخر وصاياه  لابنه المهندس اربد ان يعتني بمخطوطاته ومؤلفاته لانها هي حصيلته من هذه الدنيا،وارثه الحقيقي فيها . رحل الطاهر في ذروة اطباق انياب الحصار الجائر على شعبه وذروة افراغ الجامعات ملاكاتها.
امتزجت  وطأة المرض  الخبيث مع وطأة الاحساس بآلام شعبه وابناء وطنه الذين عانوا من ويلات الحروب وعذابات الحصارات المفروضة ،ولانه لم يفصل ابدا في حياته الابداعية قضية النقد والثقافة عن فضائها الاجتماعي لذا حظى بالحب والتقدير من قبل جميع الاوساط التي عاش بها تلميذا ومعلما واستاذا وصديقا وابا وزوجا ...غادر الطاهر المكان طاهر القلب والسيرة والموقف من الطغاة والجهلة تاركا لاحبته ميراثا يرش عليهم  رذاذ عطر دماثته واريحية روحه والق انجازاته.
رثاء تلميذ رثاه  احد اتباعه ومن بشر بموهبته الروائية والادبية انه الاديب والروائي علي خيون بهذه المقالة المعنون (طاهر الاثواب):
يوم قيل لي : إنه مضى .قفز الى ذهني بيت من الشعر :
مضى طاهر الأثواب لم تبق روضة    غداة ثوى إلا اشتهت أنها قبر
فأي " روضة " من رياض العلم والأدب والثقافة ، لاتشتهي أن يحل "الطاهر " ضيفاً عزيزاً عليها ؟!
ـ لماذا ؟
ـ لعلمه : وهو من هو ، في مجال الأدب والنقد والمقالة والترجمة والتحقيق ، وقد وضع يوم عاد من فرنسا " الف شرط " للناقد الأدبي لكي يكون ناقداً وشرطاً واحداً لكي يكون شاعراً ، وراح يذكر : العلم الواسع واللغة والموضوعية وقفز مرة واحدة وقال : والشرط ال 999 الناقد مصلح اجتماعي . اما الشرط الألف فهو الموهبة والموهبة شرطه الأول .(المعلم الجديد ـ 1958).وكان من ثمرة ذلك إنك ما إن تذكر اسمه وسط جمع من الأدباء العرب إلا وقيل لك باحترام كبير ، نعم ، إنه صاحب كتاب ( منهج البحث الأدبي ) ثم يذكرون كتبه الأخرى ومحاضرات لها صيت وصدى .وقد جمع الطاهر ألف شرط في شخصه وحضوره وثقافته وتواضعه وموضوعيته .
ـ كيف ؟
ـ اما موضوعيته ، فتتجلى في اكتشافه الأسماء المبدعة والإشارة اليها بجرأة وصدق ، ومنه ، عرفنا الزائف من الصحيح ، فهو بعيد كل البعد عن امراض النقد ، التي قال مرة إنها :( التسرع في النقد او النقد على غير قراءة ، ومدح الصديق الذي معك ،واحياناً ليمدحك ، وذم الذي ليس معك ،ثم مجاملة من يمكن ان ينفع ويضر ،ثم ان يطلب هذه المجاملة من يرى في نفسه النفع والضرر).
ثم تواضعه : وهو تواضع العالم الجليل الذي كان أول درس لي ، وأي درس ؟ جاء ذلك عبر هاتف قصير معبر :
(ـ آلو ..الدكتور علي جواد الطاهر ؟
ـ نعم .
ـ أريد أن اشكرك يادكتور على ثلاث مقالات نقدية خطها قلمك الكريم عن أعمالي.
رد من فوره :
ـ أنا الذي أشكرك .
ـ كيف ؟
ـ لأنك جعلت قلمي يخط مقالة طويلة والمقالة عندي لها شأن وموجب ، وأمتعتني بالنص على وفق ذائقتي النقدية .
ويوم اهداني كتابه الجميل الموسوم (روايات ومسرحيات عراقية  في مآل التقدير النقدي ) الصادر عن دار الشؤون الثقافية عام 1993 كتب  :
( ـ الى من اكسبتني روايته صديقاً ومقالة).
ذلك مثال على التشجيع  والمتابعة والود يجعل الأدب ذا معنى ، فما أحوجنا الى أنموذج الرجل في حياتنا ، ذلك الذي يجعل الحياة جميلة  ، وهي ثقيلة بطبعها على المبدع ، وما أشد حاجتنا الى " مكتشفين " كبارمثله ؟ وهو المكتشف للمواهب الذي يميز الزائف من الصحيح ، فيقدم لنا من كل جيل عددا من الموهبين بقدر اصابع اليد الواحدة جودة وإصالة .
إذ يقول قولته المشهورة : اقرأوا هؤلاء على مسؤوليتي ، فنقرأ : عبد الملك نوري وفؤاد التكرلي ومهدي عيسى الصقر وشاكر خصباك وغائب طعمة فرمان .ويستمر ينتقي لنا من كل جيل ما يستحق أن نقرأه .وتلك هي مهمة الناقد الأولى ليتقدم الجيد ، ويشعر المقصر أن عليه عملا مضاعفا ، ويستحي المدعي فلا يزاحم سواه .
تعرفت الى الطاهر عام 1969 من خلال كتابه ( في القصص العراقي المعاصر) وتمنيت أن أراه ، وكان لي ذلك بعد سنوات في كلية الآداب ، في غرفة صغيرة من غرف الأساتذة ، يوصيك بالقراءة ثم القراءة ثم القراءة وبعدئذ الكتابة ، ويسألك هل قرأت هذا الكتاب ؟ ويراك حائراً فيدفع اليك الكتاب ويأمل ان ترده ليعطيك غيره ، وتفعل .
قلت له : إنني أحب كتابك ( وراء الأفق الأدبي).
تبسم وقال : وأنا أحبه وله مكانة خاصة من نفسي لطراوة أحبها القراء في المقالة .تأمل جوابه واستخلص الدروس ، إنه لم يحب الكتاب لذاته ، وانما لأنه وجد قبولاً لدى القراء ، ولو لم يجد لما أحبه .
وتقدم به العمر ، فقال مطمئناً الى موضوعيته وعدم مجاملته على حساب الحق :
ـ ( أنا مرتاح لمسيرة حياتي لأني لم أخضع لطمع أو خوف).
ولم يتردد في كتابة هذا الكلام في جريدة الثورة يوم 7حزيران 1985 مختارا الحديث بصيغة ضمير الغائب :( واذا كان مرتاحا للذي رأى ، وقال ، وفعل ، خلال مسيرة حياته الطويلة ، فلأنه لم يخضع في ذلك لطمع او خوف ...واذا كان في الناس من يضيره أن تعمل ، ففي الناس من لا يستطيع الا أن يعمل ، املا باليوم الموعود من الحق المطلق).
وقد سأله صديق محاور :
ـ هل يكتب عنك بعد الموت ؟
فقال :(إن ذكري يبقى طويلا ً ...ولاشك في أنه يتضاءل على الزمن ، ولكني أشك في أنه يندثر) .نعم ، لن يندثر ، وها نحن ـ جميعاً ـ من كتبت عنهم ومن لم تكتب ، نتذكر باجلال واكبار العالم الجليل (النزيه) والعلامة الكبير(الشجاع) .....وسنبقى !

تم تصميم الموقع من قبل شركة الوصول لتكنلوجيا المعلومات