تقــريـــر .. التعليم النيابية تطالب بحصانة الجامعات وابعادها عن التسييسمصرف الرافدين يمنح قرضا بـ50 مليونا لاصحاب الفنادقمدير زراعة كربلاء: تسويق التمور من اختصاص وزارة التجار وأسعارها يحددها التجارالبصرة تطالب بتعديل قانون مكافحة المخدرات90% من اصحاب بسطات الكرادة ليسوا من اهلهاكهرباء الجنوب تدعو المواطنين في أربع محافظات لرفـع التجاوزاتاستهداف خطوط الشبكة الكهربائية في البصرةصحة الرصافة تشدد على متابعة الوافدين بأجراء الفحوصات الخاصة بالعوز المناعيوزير التربية الاتحـادي يعلن تأهيل 13 مدرسة في أيمن الموصلضبط 10 شاحنات مخالفة في منفذ سفوان الحـدوديوزير التعليم الاتحادي يلتقي وفدا من المنظمة الدولية لحظر الاسلحة الكيميائيةهموم البلاد .. الصحف الورقية لا تمــــوتبعد خراب .. حالات انتحاربعد خراب ..موظفو العقودللانتباه فقطضرورة دعم الجامعات الأهلية لدورها المهم في خدمة المجتمعالى انظار المسؤولين .. مجزرة على قارعة الطريقضرورة تفعيل القروض المصرفية في ضوء حملة الاعمار والبناء والاستثمارالتسول وصمة عار على جبين الدولةلمــــاذا ؟


ملحمة قلعة دمدم.. حكاية الأمير ذي الكف الذهب والحسناء كولبهار .. إن معركة قلعة دمدم ليست من نسج الخيال وانما تستند الى وقائع حقيقية هزت مشاعر ووجدان الأدباء والشعراء الكورد على مر الأجيال المتعاقبة  
عدد القراءات: 222        المؤلف: جودت هوشيار        تاريخ النشر: الاثنين 17-07-2017  
جودت هوشيار
تعد ملحمة (( الأمير ذو الكف الذهب )) المعروفة باسم ملحمة ( قلعة دمدم ) من أشهر ملاحم البطولة الكوردية على الأطلاق وهي تروي قصة نضال أمير كوردي شيد قلعة حصينة بهذا الاسم لحماية نفسه وأبناء عشيرته وإمارته من شرور الأعداء والمعركة الدموية التي دارت بين الأمير وأبناء عشيرته من جهة وبين الشاه عباس الصفوي وجيشه من جهة ثانية حيث دافع حماة القلعة الشجعان عن حياتهم وحريتهم واستقلال إمارتهم الصغيرة حتى آخر رجل ولم يستطع الغزاة من أسر أي مقاتل كوردي ولم يجد الشاه و جنوده بعد دخولهم القلعة - عن طريق المكيدة والخيانة - الا الخرائب والأنقاض، حيث فضل الأمير البطل الموت بشرف وكرامة على حياة الذل والمهانة في ظل حكم الشاه . وتشير المصادر التأريخية الى أن هذه المعركة الحاسمة وقعت في عام 1605 م على الأرجح . تقع قلعة دمدم في شمالي غرب كوردستان ايران وعلى حدودها مع تركيا وقد ورد ذكرها في كتاب ( الشرفنامة) لشرفخان البدليسي - الذي دون تأريخ الأمارات الكوردية في القرون الوسطى - حيث يقول إن دمدم كانت قلعة لرئيس عشيرة برادوست . و كانت هذه العشيرة تقطن اورمية و ته رغة و مه رغة وبعض المناطق الأخرى . ويبدو من هذا النص إن قلعة دمدم كانت قائمة في عام 1596 حين انتهى البدليسي من تدوين كتابه الشهير وأغلب الظن أن معركة قلعة دمدم وقعت بعد سنوات من بناء القلعة حسب بعض المصادر أو إعادة بنائها حسب مصادر أخرى , وثمة مصادر تاريخية عديدة تطرقت الى قلعة دمدم ومعركتها البطولية الدامية ولعل أهم هذه المصادر هي كتاب (( تاريخ آراي عباسي )) للمنشئ مؤرخ الشاه عباس الصفوي وكتاب (( الكرد )) للمستشرق فلاديمير مينورسكي وكتاب (( الكرد )) للمستشرق فاسيلي نيكيتين وكتب تأريخية عديدة أخرى . إن معركة قلعة دمدم ليست من نسج الخيال وانما تستند الى وقائع حقيقية هزت مشاعر ووجدان الأدباء والشعراء الكورد على مر الأجيال المتعاقبة فنظموا فيها القصص والملاحم الشعرية وكتبوا القصص النثرية التي تمجد ابطال المعركة كما ذاعت بين ابناء الشعب الكوردى فحاكوا حولها الروايات الفولكلورية ويلاحظ وجود شيء من الاختلاف في هذه النتاجات الأدبية من حيث وسائل التعبير وأساليب الصياغة والمعالجة الفنية و ذلك أمر طبيعي لاختلاف الرؤى والأساليب و الميول لدى هؤلاء الأدباء و الشعراء، كما ان الروايات الشفاهية التي أبدعها الشعب وانتقلت شفاها" من جيل الى جيل خضعت للتغير ايضا باختلاف الرواة وقدرتهم على التعبير ونظرتهم الى الحياة وقيمها و الظروف السائدة. ومهما اختلفت هذه الروايات الا أن الرواة الموهوبين حافظوا على ما هو جوهري في مضمون ملحمة قلعة دمدم والتى تعكس مدى اصرار الكورد على مر العصور للذود عن حريتهم ومقاومة الغزاة مهما كلف ذلك من تضحيات.
و لدينا اليوم روايات فولكلورية عديدة لهذه الملحمة سجلها الباحثون و الكتاب الكورد انفسهم كما ان لدينا ايضا عدة معالجات ادبية عن هذه المعركة شعرا" ونثرا"وكان المستشرق الروسي الكسندر زابا سباقا" الى تسجيلها حيث نشر اول ملحمة شعرية عن هذه القلعة الصامدة في عام 1860 في بطرسبورغ , كما توجد ضمن مخطوطاته التي تركها بعد وفاته عدة ملاحم شعرية اخرى حول دمدم تتشابه في مضامينها وان اختلفت عناوينها ومعظم هذه الملاحم منسوبة الى الشاعر الكوردي الكلاسيكي فقي طيران ولكن المستشرقة الرائدة مرجريت رودينكو تقول : ( ان فقي طيران لا يمكن ان يكون مؤلف هذه الملاحم لسبب بسيط هو انه عاش في القرن الرابع عشر في حين ان معركة قلعة دمدم وقعت في اوائل القرن السابع عشر ) كما قام العديد من المستشرقين الآخرين بتسجيل ونشر ملاحم شعرية حول قلعة دمدم تعود الى الشعراء الكورد الكلاسيكيين . وفي الادب الكوردي الحديث اصبحت معركة قلعة دمدم معينا لا ينضب للعديد من الملاحم الشعرية والقصص والروايات , لعل اشهرها الملحمة الشعرية التي نشرها الكاتب والشاعر الكوردي الشهير جاسم جليل في كتابه " أغاني الجبال " الصادر في يريفان عام 1970 ورواية رائد الرواية الكوردية الحديثة عرب شمو وهي بعنوان " دمدم " وصدرت في يريفان عام 1966 وثمة بحوث ودراسات عديدة حول هذه الملحمة من أهمها وابرزها وأقدمها البحث الذي قدمه الدكتور اورديخان جليل الى جامعة لينينغراد (بطرسبورغ حاليا) لنيل شهادة الدكتوراه عام 1960 ودافع عن رسالته في العام نفسه بنجاح ثم اعاد نشر الرسالة على شكل كتاب صدر في موسكو باللغة الروسية في عام 1967 تحت عنوان " الخان ذو الكف الذهب الكوردي " ( دمدم ) , وعلى هذا النحو نرى ان هذه الملحمة البطولية قد نالت اكبر قدر من العناية والاهتمام بين ملاحم البطولة الكوردية لانها تجسيد رائع لطموحات الشعب الكوردي ونضاله الطويل من اجل نيل حقوقه القومية المغتصبة وانشداده الى الحرية والعدالة والكرامة كما ان الملحمة طافحة بأنبل المعاني والقيم الانسانية واستعداد لا حد له للتضحية والفداء من اجل المبادئ السامية  .وتبدأ الملحمة ( فى معظم الروايات الأدبية منها و الشعبية) بلجوء امير(خان) كوردى الى كوردستان ايران هربا" من ظلم السلطان العثماني وخيل اليه انه بذلك قد تحرر من ظلم السلطان الى الابد ولكنه كان واهما" ، فالشاه الصفوي لم يكن افضل من السلطان العثمانى. وتختلف الروايات حول ظروف اللقاء بين الأمير الكوردى والشاه عباس الصفوي , وتقول بعض الروايات ان الشاه قد تنكر في زي تاجر ومر على خيمة الامير الكوردي قرب أورمية وان كف الامير قد احترق وهو يناول جمرة نار ليشعل بها الشاه غليونه فكافأه الشاه بكيس من الذهب وضعه في كف الامير وتشير روايات أخرى أنه قد ذهب الى بلاط الشاه من تلقاء نفسه وانه عمل سائسا" لخيول الشاه وذات مرة هاجمته زمرة من قطاع الطرق فدافع عن نفسه دفاع الابطال واستطاع انقاذ الخيول وقتل معظم افراد الزمرة وولى الباقون الأدبار ولكن الامير فقد أحدى يديه في المعركة فأمر الشاه بصب يد من الذهب له ثم طلب من الشاه ان يمنحه قطعة ارض يبني عليها دورا لنفسه ولابناء عشيرته فأستجاب الشاه لطلبه ولكن الامير شيد بدلا" من ذلك قلعة حصينة تضم دورا" لنفسه واتباعه وأنه خطط لهذه القلعة بعناية فائقة حيث كانت أسوار القلعة متينة ولها ابواب حديدية منيعة لا تؤثر فيها حتى المدافع الثقيلة وكان داخل القلعة سراديب وانفاق سرية واحواض لمياه الشرب وخزانات للمواد الغذائية والاهم من ذلك كانت القلعة تزود بالمياه من نبع سري وتجري مياهه في جدول مغطى بالصخور ولم يكن يعلم بهذا السر سوى عدد محدود من حاشية الامير ومن بينهم احد العمال الذين شقوا الجدول وساهموا في بناء القلعة وهو محمود المركاني , وكان مجتمع القلعة المتماسك والملتف حول الامير ينعم بالحرية والرخاء بفضل حكمة الامير واجراءاته المدروسة ومهارته في ادارة شؤون أمارته الصغيرة وكان زعيم (خان) منطقة ( مه ركة ) وهي منطقة قريبة من القلعة يخشى سلطة الامير الكوردي القوية وصيته ومناعة قلعته , وحين تزوج الامير الكوردي من اجمل فتاة في خانية ( مه ركة) استشاط الخان غضبا" لانه أراد الفتاة لنفسه وليس لغريمه فأخذ الخان يحيك الدسائس والمكائد ضد الامير الكوردي ويؤلب الشاه ضده , وقال الخان للشاه : ان الامير الكوردي قد شيد قلعة عظيمة ومنيعة واعلن الاستقلال ولا يعترف بسلطة الشاه فجن جنون الشاه وأمر بهدم القلعة على رؤوس سكانها, وأرسل جيشا" جرارا" لهذا الغرض بقيادة زعيم ( خان ) مه ركه ولكن محاولا ت جيش الشاه باء ت بالفشل الذريع حيث لم تكن لأسلحة الجيش الفارسي وبضمنها المدافع تأثير على القلعة فقرر الشاه قيادة الهجوم على القلعة بنفسه وحاصر القلعة لعدة اشهر ولكن حظه لم يكن افضل من حظوظ قواده واستمر حصار القلعة طويلا" لكن الحياة في القلعة كانت منظمة والروح المعنوية لسكانها عالية . كانت كولبهار قد انجبت للأمير ولدين وكان محمود المركاني يعمل سائسا" لخيول الامير لينعم برؤية الحسناء كولبهار فقد كان السائس مغرما" بها من بعيد ويطيل التفكير فيها من دون جدوى وطرأت في ذهنه فكرة جهنمية وهي أفشاء سر الجدول الذي يزود القلعة بالمياه الى الشاه أذ ربما يجازيه الشاه فيهبه كولبهار, وتمكن محمود المركاني بطريقة خادعة من اللجوء الى الشاه و افشاء سر الجدول وجاء الشاه وجلس قرب النبع مسرورا" ونهل من مائه بكأس من الذهب وشربه ثم نادى ذلك الخائن وسأله : - ما الذي دفعك الى الخيانة ؟ - أريد ان اخدم شاهي وان احقق حلمي في الزواج من كولبهار. رمقه الشاه بنظرة ازدراء وأمر بقتله سحلا" وذلك بربطه بذيل حصيان جامح كما أمر بذبح قطيع من الماشية واراقة دمائها في الجدول لتأخذ طريقها الى القلعة و اضطرب سكان القلعة حين شاهدوا الدم يجري في الجدول عوضا عن الماء ولكن الامير الكوردي طمأنهم بأن الاحواض والجرار مليئة بالماء وان موسم الامطار قريب حيث تمتلأ الاحواض بالمياه من جديد لحين وصول النجدات اليهم من أشقائهم الكورد في الامارات الكوردية الاخرى ولكن طال أمد الحصار ولم تصل النجدات وأخذ الماء يشح وقال والد الامير وهو يخاطب رجال القرية : - خير لنا ان نموت في ساحة الوغي من ان يحتل العدو القلعة ويجدنا نحتضر عطشا" علينا ان ندافع عن شرفنا وكرامتنا قبل ان ينتهكها ازلام الشاه ! فهب شباب القلعة وتسلحوا بشتى انواع الاسلحة وبعد ان تفقد الأمير تحصينات القلعة و جاهزية جنوده ذهب ليودع زوجته و ثمة فى بعض الروايات حوار وداعي مؤثر جرى بين الأمير و زوجته الحبيبة. قال الأمير: --جميلتي ، لقد ولدت لتعيش حرة فوق الجبال الشم وولدت ولدين كل منهما كالليث الهصور، جدي من اجل تربيتهما تجد فيهما سعادتك، وحين تكون القضية قضية شرف فأنني اعرف ماذا ستفعلين؟. لا تنسي هذا اليوم. نزلت دمعتان من ما قي كولبهار وبرقتا كالبرق وانسابتا على خديها الأسيلين وقالت: --اذهب يا ليثي الهصور وأنت مفعم بالحب ولن يغلب رجل الحب و التضحية ولتكن كولبهار فداء لك. سأربي أولادك وأرضعهم لبانة الرجولة و الشجاعة. استودعك الله. واقسم بسيفك أن أذيع جدارتك و شهرتك واضحي بحياتي من أجلك. ثم أمر الأمير بإخراج النساء و الأطفال و الشيوخ من القلعة عن طريق نفق سرى يؤدي إلى الجبال القريبة. كان الغروب قد لون قمم الجبال لتوها بالصفرة الذهبية حين فتحت بوابات القلعة و تدفقت سيول الرجال هادرة و بوغت العدو ونشبت معركة دموية ضارية استبسل خلالها المقاتلون الكورد ولكن ميزان القوى لم يكن متكافئا فقد حشد الشاه جيشا جرارا يبلغ تعداده اضعافا مضاعفة لعدد المقاتلين الكورد الذين كانوا يحاربون كالأسود تحت قيادة أميرهم البطل وبعد أن استشهد معظمهم , لجأ من بقي منهم على قيد الحياة إلى الجبال ولم يتمكن العدو من أسر أي مقاتل كوردي وحين دخل جيش العدو إلى القلعة لم يجد سوى الخرائب والأنقاض , فقد فجر الكورد قلعتهم قبل أن يغادروها حيث كان الأمير الكوردي قد خطط لكل شيء مسبقا, وحدد طريقة تفجير القلعة عند الضرورة وغدت شجاعة أبطال قلعة دمدم أسطورة تتناقلها الأجيال الكوردية المتعاقبة وهي صفحة مشرقة و مشرفة من تأريخ الكورد ونضائلهم وتضحياتهم السخية من اجل الحياة الحرة والكرامة الإنسانية.

تم تصميم الموقع من قبل شركة الوصول لتكنلوجيا المعلومات